محمد بن علي الشوكاني
2349
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله الأكرمين ، وبعد : فإني قد رأيت بعض الأعلام ( 1 ) - كثر الله فوائده ، ونفع بعلومه - ، قد أنكر أن يكون بعثُ أمناء الحكام لنظر محل خصومة ( 2 ) ، أو فصل أمر شجر بين خصوم كائنًا ما كان موافقًا للمنهج الشرعي ، مطابقًا للمسلك المرضي . وصرح بأنه خلاف الشرع ، وخلاف طريقة العدل . هذا معنى كلامه - متع الله بحياته - ، وأسند هذا الكلام الذي هو في قوة المنع بأن ذلك لم يثبت عن الشارع ، ولا روي من فعله . وأقول : هو - حفظه الله - لا يذكر أن هذه الشريعة المطهرة ، ليست بمقصورة ( 3 )
--> ( 1 ) في هامش المخطوطة ما ؤنصه : هو سيدي العلامة عبد الله بن محمد الأمير - رحمه الله - وقد أطلعته على هذا البحث . ( 2 ) سيأتي توضيحه . ( 3 ) لذلك تجد دواوين السنة أفعال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مبثوثة بين أحاديثه القولية ، ولم يفردها من المسندين أحد بالرواية - فيما نعلم - كما لم يفرد الأقوال أحد عن الأفعال . وأول من اعتنى بجمع الأفعال وإفرادها عن الأقوال هو - ابن العاقولي ولم يكن هذفه من تجميع الأفعال التهيئة لاستفاد الأحكام الفقهية منها ، وإنما كان يريد التعريف بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولذلك أدمج أوصاف النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخلقية ونسبه الشريف ونحو ذلك - كتابه « الرصف لما روي عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الفعل والوصف » وجاء بعد ذلك السيوطي ، فأفرد الأفعال عن الأقوال ، ولم يكن الذي دعاه إلى هذا أمرًا يتعلق بالاحتجاج بها ، وإنما كان هدفًا صرفًا . انظر : « مقدمة السيوطي » الجامع الكبير . - ترجع أولية فصل الفعال النبوية عن الأقوال إلى القرن الرابع . والله أعلم . وقيل أن البيان بالفعل أحد أنواع البيان ، فيمكن استعماله حيث أفاد المطلوب وواصح عقلًا أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما كان واسطة لتبيلغ الشريعة وبيانها ، فإنه يبين بالطريقة التي يختارها ، فإما أن يبين المشكل بأقواله أو بأفعاله ، فلما صح البيان بالأقوال لكونها دليلًا على المطلوب فكذلك يصح البيان بالأفعال حيث تدل على المطلوب . فما أفاد فيه البيان بالأقوال والأفعال ، أجزأ بكل منهما ويكون ذلك واجبًا مخيرًا ، أي الخصلتين فعل فقج أدى ما وجب عليه ، وهذا مذهب أكثر العلماء وقد قيده عبد الجبار بأن لا يختص أحدهما في كونه مصلحة بما ليس في الآخر ، وهو معنى ما تقدن من اشتراط الفائدة . انظر : « المغني » ( 17 / 250 ) . قال ابن تيمية في « مجموع فتاوى » ( 8 / 11 - 12 ) : كل ما قاله بعد النبوة وأقر عليه ولم ينسخ فهو تشريع ، ثم قال : « . . . والمقصود أن جميع أقواله يستفاد منها شرع » وانظر : « الواضح في أصول الفقه » : في المرتبة الثانية من أدلة الأحكام الشرعية وهي السنة : وهي ثلاث مراتب : فالأولى منها : القول ، وهو منقسم إلى قسمين : مبتدأ ، وخارج على سبب . فالأول : المبتدأ ، وهو منقسم قسمين : ص ، وظاهر ، ومن جملة الظاهر : العموم . فأما النص : قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « في الرقة ربع العشر » ، « فيما سقت السماء العشر » . وحكم ذلك : إيجاب تلقيه باعتقاد وحوبه والعمل به ، ولا يترك إلا بنص يعارضه ، ونسخ يرفع حكمه . والظاهر : كقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأسماء في دم الحيض : « حتيه ، ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء » ، يحمل على الوجوب ، ولا يصرف إلى الاستحباب إلا بدليل . والعموم : كقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « ليس في المال حق سوى الزكاة » ، « ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامة » فيعم سائر الحقوق إلا ما خصه الدليل من الغرامات والكفارات والديات . القسم الثاني : وهو الخارج على سبب فمنقسم إلى قسمين : مستقل دون السبب : كما روي عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه لما قيل له : إنك تتوضأ من بئر بضاعة ، وهي تطرح فيها المحائض ولحوم الكلاب وما ينجي الناس ، قال : « الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه » . فحكم هذا في استقلاله بنفسه المبتدأ ، وقد سبق بيانه وانقسامه . القسم الثاني : من الخارج على السبب : ما لا يستقل دون السبب مثل ما روي عن السائل عن لطم أمته الراعية ، حيث اكل الذئب شاة من غنمه ، وأنه أخذه ما يأخذ الرجل على تلف ماله : وما روي أن أعرابيًا قال له : جامعت امرأتي في نهار رمضان فقال لكل واحد منها : « اعتق رقبة » فيصير قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع سؤال السائل كالقول الواحد ، فتقديره : اعتق رقبة إذا لطمت أمتك ، واعتق رقبة إذا جامعت في نهار رمضان زوجتك . وانظر : « الإحكام » ( 2 / 347 ) ، « نهاية السول » ( 2 / 476 - 480 ) .